الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

226

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وأرشد - صلى اللّه عليه وسلم - من لم يستطع الباءة إلى الصوم ، لأن كثرته تقلل مادة النكاح ، وتضعف ما يجده المرء من الحرارة القوية التي تبعثه على النكاح ، وخص الشباب في قوله : « يا معشر الشباب » « 1 » لأن للشباب من شهوة النكاح ما ليس لغيرهم . وقد ظهر لك أن النكاح أعظم في الأجر والثواب من الصيام ، فإنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يأمر أولا بالصوم إنما أمر به عند عدم الطول إلى النكاح ، وإذا كان النكاح ينوى به التناسل لتكثير هذه الأمة المحمدية فهو بلا شك أفضل . قال عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - : إني لأطأ النساء وما لي إليهن حاجة ، رجاء أن يخرج اللّه من ظهري من يكاثر به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - الأمم يوم القيامة . ذكره ابن أبي جمرة . وانظر كون نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - بالإجماع - أعبد الناس ، مع ما طبعت عليه بشريته من حب الجماع ، وكيف لم يخل بعبادته شيئا ، لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها ، وهذا هو غاية الكمال في البشرية ، لأنه يرجع ما طبع عليه تابعا لما أمر به . وقد روى عنه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « لا رهبانية في الإسلام » « 2 » . وهي ترك النساء ، ولو كان تركهن أفضل لشرع ذلك في ديننا ، إذ هو خير الأديان . وقد قال سليمان - عليه السّلام - : لأطوفن الليلة على مائة امرأة « 3 » . رواه البخاري . وهذا فيه معجزة لسليمان - عليه السّلام - ، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5065 ) في النكاح ، باب : قول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « من استطاع منكم الباءة فليتزوج » ، ومسلم ( 1400 ) في النكاح ، باب : استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ، من حديث عبد اللّه بن مسعود - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) لم أره بهذا اللفظ : قاله الحافظ ابن حجر ، لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي « أن اللّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة » ، نقلا عن « كشف الخفاء » ( 3154 ) . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3424 ) في أحاديث الأنبياء ، باب : قول اللّه تعالى : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، ومسلم ( 1654 ) في الأيمان ، باب : الاستثناء ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - .